reu_saudi_spring2_980_17jan12

في منتصف شهر ديسمبر من عام 2011 اندلعت احتجاجات متفرقة في أنحاء المملكة العربية السعودية بعد حوالي تسعة أشهر من شرارة مظاهرات يوم الغضب التي اشتعلت بشكل عفوي في مارس من نفس العام. غير أن وسائل الإعلام الدولية لم تلتفت إلى إلى حد بعيد للاحتجاجات الأخيرة في المملكة. فقد تم تكريس قدر أكبر بكثير لعناوين الأنباء التي تحدثت عن صفقة الأسلحة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بقيمة 30 مليار دولار من تلك التي تناولت الاحتجاجات التي نظر إليها البعض على أنها بذور النسخة السعودية من الربيع العربي.

بل إن التقارير التي تحدثت عن ممارسة القمع ضد احتجاجات ديسمبر جاءت في معظمها من مصدر واحد هو منظمة هيومان رايتس ووتش التي ذكرت أن قوات الأمن السعودية اعتقلت أكثر من 100 من المحتجين يومي 16 و23 ديسمبر 2011 في مدينة الرياض. وأظهرت عمليات الاعتقال نمطا معينا تمثل في ومضات متفرقة تعكس التصميم على ربيع عربي في المملكة تلتها طرق منهجية لإسكات تلك الأصوات.

.وكان المواطنون السعوديون بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو طائفتهم المذهبية قد جلسوا مشدوهين أمام شاشات التليفزيون في أوائل عام 2011 يتابعون على القنوات الفضائية الدولية ما كان ينظر إليه فيما مضى على أنه مستحيل، ثورات شعبية ناجحة في تونس ثم مصر وثورة بادية التأجج في مملكة البحرين المجاورة. وبالنسبة لكثير من السعوديين  بدا الأمر وكأن الربيع العربي بدأ في التحرك نحو المملكة.

reu saudi qatif 17jan12 تحليل: لماذا لم يصل الربيع العربي إلى المملكة العربية السعودية؟

Protesters rally in Saudi Arabia's eastern Gulf coast town of Qatif March 11, 2011 (Reuters).

.وتحت وقع ذلك الإلهام خرج مئات السعوديين إلى الشوارع في مارس من عام 2011 طالب بعضهم بالمزيد من الحريات، وطالب البعض الآخر بإجراء انتخابات حرة ونزيهة فيما طرح آخرون طلب تحويل البلاد إلى ملكية دستورية. بل طالبت فئة قليلة من المحتجين بإنهاء حكم العائلة المالكة السعودية.

إجراء إجهاضي مبكر

وتحسبا لاندلاع ثورة مثلما انتقلت العدوى لدول عربية مجاورة، انتشرت قوات الأمن السعودية بأعداد غفيرة في شوارع الرياض والقطيف والحفوف والأموية. وفي غضون أيام تم اعتقال المئات من المحتجين السعوديين وتفريق الاحتجاجات. وبحلول منتصف أبريل تحولت حركة الاحتجاج المطالبة بالديمقراطية في السعودية إلى مجرد همسات خافتة.

ويروى محمد فهد القحطاني مدير الجمعية السعودية للحقوق المدنية والسياسية التي تتخذ من جدة مقرا لها مشاهداته الشخصية آنذاك:

“في 11 مارس كنت أقود سيارتي عبر شوارع الرياض وكانت الصورة أشبه ما تكون بساحة حرب، فسيارات الشرطة تجوب الشوارع وتم اعتقال عدد كبير من المواطنين وألقى العديد منهم في معتقلات مؤقتة حيث تم تحويل أتوبيسات إلى سجون متنقلة.”.

ولكن السؤال المطروح هو لماذا لم يصل الربيع العربي إلى المملكة العربية السعودية؟ هل يخشى السعوديون من عواقب الانشقاق؟ أم هل تنتشر عدم المبالاة السياسية بين السعوديين؟

يرى النشطاء الحقوقيون السعوديون من أمثال السيد القحطاني أن الإجابة ربما تكون توليفة من كل تلك العناصر، ويقولون إنه لو نظرنا إلى المستقبل فإن أي شكل محتمل للربيع العربي يبدو بعيد المنال في المملكة العربية السعودية.  فالمملكة قد تشهد براعم خضراء من الطموحات الشعبية ولكنها لن تترعرع كثورة شعبية في أي وقت قريب.

reu saudi police 300 17jan12 تحليل: لماذا لم يصل الربيع العربي إلى المملكة العربية السعودية؟

Saudi policemen keep watch along a main street in Riyadh March 11, 2011 (AP).

ومع ذلك يرى العديد من نشطاء حقوق الإنسان السعوديون أن هناك أسبابا لها ما يبررها للانشقاق، فالسعوديون يعيشون  تحت حكم ملكي مطلق أسسه الملك عبد العزيز آل سعود في عام 1932، ووفقا لذلك النوع من الحكم يؤدي الملك معظم المهام التنفيذية والتشريعية بل والقضائية. كما أن أعضاء الأسرة المالكة المتشعبة يتحكمون في معظم المناصب الرئيسية في المملكة. كذلك فإن النظام الملكي السعودي يحظر قيام الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات حرة على المستوى القومي. وهكذا فإنه وفقا لكل المقاييس ربما تكون المملكة العربية السعودية أبعد دولة عربية عن الأعراف والتقاليد الديمقراطية.

الدفاع عن المتهمين في دولة محدودة القوانين

ويقول وليد سامي أبو الخير وهو محام في جدة يتولى مهمة الدفاع عن المحتجين الذين اعتقلتهم السلطات السعودية :

“المشكلة التي نعاني منها هنا في المملكة العربية السعودية هي عدم وجود قانون جنائي”

وبذلك تصبح مهمة أبو الخير كمحام صعبة بشكل خاص عندما يدافع عن شخص تم اعتقاله دون تحديد وضعه القانوني. فليس بالمملكة العربية السعودية قانون جنائي حديث وإنما يتم الاسترشاد بالتفسير المحافظ الأحكام الشريعة الإسلامية  في إصدار أحكام تصدرها المحاكم الأمنية والمدنية ووزارة الداخلية السعودية.

ويقول المحامي ابو الخير:

“عندما يريد أحد القضاه أن يصدر حكما فإنه ينقل عن مواد أو يشير إلى أحكام من الشريعة الإسلامية خاصة فيما يتعلق بالإرهاب أو قضايا حقوق الإنسان أو الإصلاح، والآن أصبح يتعين على القضاة ان يتعاملوا مع موضوع الانشقاق في قوانين جديدة يتم كتابتها.”

ووفقا لتقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في ديسمبر عام 2011 بعنوان: المملكة العربية السعودية: القمع تحت مسمى الأمن

شرعت الحكومة السعودية  في سن قوانين خاصة لقمع الانشقاق في أعقاب الاحتجاجات التي ألهمها الربيع العربي في مارس 2011 وتستهدف تلك القوانين النيل من أي مظهر من مظاهر الانشقاق تحت ستار مكافحة الإرهاب. وحصلت منظمة العفو الدولية على نسخة من صياغة تلك القوانين إلا أن السعودية انتقدت بشدة تقرير المنظمة ووصفته بعدم الدقة.

فإذا كان الخبر صحيحا فإن القانون الجديد سيمكن السلطات السعودية من توصيف نشاطات الاحتجاج السلمية على أنها “جريمة إرهابية”. والمعروف أن من يتم الشك في قيامه بالإرهاب في السعودية يعتقل إلى أجل غير مسمى بدون تقديمه إلى المحاكمة. ووفقا للمادة 29 من القانون المقترح فإن “أي مواطن يتهم الملك أو ولي العهد بأنه كافر، أو يشكك في نزاهته، أو يحط من قدره، أو يسحب ولاءه للملك أو يحرض على ذلك” سيتعرض “لعقوبة السجن لمدة لا تقل عن عشرة أعوام.”

ويذكر تقرير منظمة العفو الدولية كذلك المادة 47 من القانون المقترح والتي تنص على أن ” أي مواطن ينظم مظاهرة أو يشارك في تنظيمها أو يساعدها أو يدعو لها أو يحرض على القيام بها” سيتعرض “للسجن لمدة لا تقل عن ثلاثة أعوام” كما أن ” أي شخص يرفع شعارا أو صورة يمكن أن تنال من وحدة البلاد أو سلامتها أو يدعو إلى الفتنة أو العصيان أو التقسيم أو عدم الوحدة بين أفراد المجتمع أو يحرض على هذه الأفعال” سيتعرض ” لعقوبة السجن لمدة لا تقل عن سبعة أعوام.”

القطيف : نوبة غضب غير منظمة

إذا كانت هناك  أي علامة على وجود مظاهر احتجاجية متواصلة في المملكة العربية السعودية خلال عام 2011 فإنها حدثت في مدينة القطيف الساحلية الواقعة على مسافة تقل عن 50 ميلا من دولة البحرين، فالقطيف تقطنها مجموعة كبيرة من السعوديين الشيعة الذين يعتبرون أنهم تعرضوا للتهميش في المجتمع لعشرات السنين. وشعر العديد منهم  بصلة قرابة طبيعية لمواطني البحرين وهم غالبية من المسلمين الشيعة تحكمهم أقلية من المسلمين السنة في غمار احتجاجات الشيعة من مواطني البحرين  أثناء ربيعهم العربي في مارس الماضي.

وعن الربيع العربي يقول توفيق آل سيف الكاتب والمحلل السياسي المقيم في مدينة القطيف والذي كان قد تواصل مع المحتجين منذ اندلاع احتجاجاتهم في مارس وما تلى ذلك:

“لاشك أنه ترك آثارا عميقة في وجدان المواطنين السعوديين سواء من السنة أو الشيعة، غير أن المناطق الشيعية كانت أكثر استعدادا لممارسة الاحتجاج نظرا لطول معاناة الشيعة من التفرقة والتمييز ضدهم .”

غير أن السيد محمد القحطاني يرى أنه على الرغم من أن الرغبة في المطالبة بمزيد من الحقوق لا زالت قوية في مناطق مثل القطيف فإن الجهود التلقائية لن يكتب لها النجاح نظرا لآن السعوديين ليس لديهم أساس يرتكزون إليه من المنظمات الشعبية الشرعية أو الأحزاب السياسية التي تستطيع تنظيم الصفوف:

“يمكن النظر إلى احتجاجات عام 2011 على أنها تماثل أن تطلب من طفل في الحضانة أن يصبح عالما نوويا، وهذا لا يمكن أن يحدث إذ يتعين أولا أن تبني القدرة وتمكن المواطنين وتعلمهم بحيث يعرفون كيف يطالبون بحقوقهم، وهذا هو السبب في أن احتجاجات يوم الغضب في 11 مارس 2011 لم تقدم في الحقيقة خدمة للمجتمع السعودي.”

وأعرب كل من القحطاني وأبو خير عن قلقهما من صعود نجم ولي العهد السعودي الأمير نايف الذي يتولى منصب وزير الداخلية منذ عام 1975، فعلى العكس من أخيه غير الشقيق الملك عبد الله الذي بنى سمعته على أنه ملك أكثر اعتدالا فإن الأمير نايف وفقا لكل المقاييس محافظ صارم يرتبط  بصلات وثيقة مع جهاز الأمن السعودي كما أن نجل ولي العهد محمد بن نايف يترأس جهاز مكافحة الإرهاب بالمملكة. ويبدو صعود الأمير نايف الذي أصبح وليا للعهد في أكتوبر عام 2011 أمرا وشيكا بالنظر إلى أن الملك عبد الله يبلغ الآن السابعة والثمانين من عمره.

ويقول السيد آل سيف إن معظم السعوديين يرغبون في تطبيق إصلاحات رئيسية في البلاد ولكن في إطار ملكية دستورية ، أما التغيير الشامل للنظام فلا يحظى بالشعبية ومع ذلك فمطالب الإصلاح عديدة وإن كانت غير محتملة التطبيق إذا ما تولى ولي العهد، ومن بين قائمة الإصلاحات الرئيسية التي أوردها آل سيف:

“سيادة القانون، برلمان منتحب بالكامل، حريات مدنية يحميها القانون، إزالة كل مظاهر التمييز والتفرقة، المساواة بين كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو الطائفة أو القبيلة.”

أما السيد القحطاني فيرى أن هناك قوة دفع آخذة في النمو داخل المجتمع السعودي بسبب أن النظام الحاكم لا يصغي إلى الشعب:

“ستتغير الأشياء في المملكة رويدا رويدا فالشعب يرى ما الذي يحدث في مصر وغيرها ويرى المواطنون السعوديون العلاقات المستغلة للأوضاع في النظام ولذلك فالمسألة مسألة وقت، والوقت أصبح خاضعا للاختصار بسبب وسائل الاتصال الاجتماعي مثل التويتر والفيس بوك، فالسعوديون من مختلف الطوائف وفي مختلف المناطق ومن خلفيات متنوعة بدأوا يتحدثون إلى بعضهم البعض وبدأوا في الاشتراك معا في صياغة الأفكار ولذلك أعتقد أنه لن يمر وقت طويل حتى يحين وقت خروجهم إلى الشوارع وستكون هناك آنذاك حركة حقيقية أصيلة تنبع من الداخل.”

ملاحظة: سعينا للحصول على وجهة نظر من كل من وزارة الداخلية السعودية والسفارة السعودية في واشنطن بالنسبة لما ورد في هذا المقال وإذا تسلمنا أي رد سيتم إضافته .

 

 تحليل: لماذا لم يصل الربيع العربي إلى المملكة العربية السعودية؟

محمد الشناوي

محرر النسخة العربية من أصوات من الشرق الأوسط والذي يقوم بترجمة المقالات الأصلية التي يكتبها هو أو فريق المراسلين إلى اللغة العربية. بدأ محمد الشناوي مشواره الإذاعي مع إذاعة صوت العرب بالقاهرة ثم انتقل منها لإذاعة صوت أمريكا في عام 1978 حيث بدأ في تغطية شئون الشرق الأوسط من التغطية الحية لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في عام 1979 مرورا باتفاقية أوسلو عام 1993 والمفاوضات السورية الإسرائيلية في عام 2000 ووصولا لثورات الربيع العربي عام 2011. محمد الشناوي مصري أمريكي يتقن اللغتين العربية والإنجليزية.