Saudi citizens sit as they wait to cast their votes at a polling station during municipal elections in Riyadh, Saudi Arabia, Thursday, Sept. 29, 2011. . (AP Photo/Hassan Ammar)

 

يبلغ عدد سكان المملكة العربية السعودية 24 مليون نسمة ويعد معدل البطالة الأعلى من نوعه في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.  وتزيد نسبة الشباب من الرجال والنساء في المملكة عن 30 في المائة من السكان، ويعاني العديد منهم من عدم وجود فرص للعمل: إذ تزيد نسبة البطالة بين الشباب السعودي فيما بين الخامسة عشرة والرابعة والعشرين عن 23 في المائة بين الذكور و45 في المائة بين الإناث.

ويتعرض الشباب السعودي لمنافسة في سوق العمل من الخارج إذ يقدر بعض الخبراء أن ما يصل إلى 5 ملايين من العاملين الأجانب في المملكة يحولون إلى ذويهم في الهند وباكستان وبنجلاديش وإندونيسيا والفلبين وبعض الدول الغربية ما يزيد عن 28 مليار دولار مما يكتسبونه من عملهم في المملكة كل عام وهي أكبر كمية تحويلات للعاملين الأجانب في العالم. وقد وصف أحد المحللين الماليين في الرياض هذا الرقم بأنه “التناقض المذهل في سوق العمل السعودي”.

لقد أدرك الملك عبد الله بن عبد العزيز المحنة التي تعكسها أرقام البطالة في المملكة قبل 13 عاما حين كان أميرا ووصف معدل البطالة بين السعوديين بأنه المشكلة رقم واحد بالنسبة للأمن القومي للبلاد.

SAUDI.QATIF2 .b.AP110311082721 بذور السخط السعودي: ارتفاع معدل البطالة في المملكة بلا مؤشرات على التراجع

Saudi Shiite protesters chant slogans during a demonstration in Qatif, Saudi Arabia, March 11, 2011. (AP Photo)

شباب يعاني من البطالة

لقد أشعل ارتفاع معدل البطالة المنذر بالخطر بين الشباب جذوة ثورات اجتماعية وسياسية اكتسحت دول الشرق الأوسط خلال العام الماضي، ولم تسلم المملكة العربية السعودية التي تقع على الحافة الشرقية من هذه الانتفاضات الشعبية من اندلاع احتجاحات شعبية غير أن الأسرة المالكة السعودية استطاعت أن تحتويها جميعا.

ففي أواخر يناير عام 2011 تظاهر حوالي 30 سعوديا في جدة احتجاجا على مصرع أحد عشر شخصا في فيضان مياه السيول بسبب إخفاق الحكومة في إصلاح وسائل التحكم في السيول التي تحطمت في كارثة طبيعية أخرى قبل عامين. كذلك شهدت القطيف وعدد من المجتمعات في المنطقة الشرقية من البلاد احتجاجات من الشيعة على الفساد الحكومي وعلى حكم صدر بحق أحد الأئمة المحليين، وطالب المحتجون أيضا بإطلاق سراح ثلاثة معتقلين سياسيين.

وبالاستعانة بوسائل الاتصال الاجتماعي تمكن المحتجون السعوديون من تنمية حركتهم الاحتجاجية إلى ثورة مطالب انتشرت عبر أنحاء المملكة وبلغت ذروتها في الرياض بتجمع عدة مئات  فيما سمي بيوم الغضب طالبوا فيه بإدخال تعديلات رئيسية على الحياة في السعودية بما في ذلك حقوق المرأة الأساسية، وتحويل نظام الحكم إلى ملكية دستورية وكذلك حقوق العمل.

 ومنذ ذلك الحين توالت الاحتجاجات بشكل متفرق في أرجاء المملكة غير أنها اجتذبت أعدادا أصغر بكثير بالمقارنة مع أعداد المتظاهرين في ميدان التغيير في صنعاء أو ميدان التحرير في القاهرة.

وتمكنت قوات الأمن من احتواء المتظاهرين في الرياض، كما ألقت السلطات السعودية القبض على زعماء المعارضة السياسية كذلك طرح الملك عبد الله حزمة إصلاحات اجتماعية بلغت تكاليفها 39 مليار دولار، وأصدر مفتي البلاد في الرياض فتوى تحرم الخروج في مظاهرات احتجاجية.

ويقول البروفيسور جريجوري جوز أستاذ العلوم السياسية بجامعة فيرمونت والمتخصص في الشئون السعودية ومؤلف تقرير خاص عن المملكة أصدره مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك إن المملكة العربية السعودية كانت الأقل تأثرا بثورات الربيع العربي في عام 2011.

وبينما سلمت المملكة العربية السعودية من الفوران السياسي الذي اكتسح جاراتها العربية، واصل معدل البطالة بين الشباب السعودي أثره كعامل إزعاج في البلاد وفقا لورقة تحليلية بعنوان: “الشباب السعودي: كشف الستار عن قوة التغيير” أعدها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية  في واشنطن استنادا إلى عامين من المقابلات أجرتها منظمة نساء بلا حدود في فيينا مع 4500 من طلاب الجامعات السعوديين في الرياض إذ تقول الورقة التحليلية:

“إن التحديات التي تشكلها البطالة قد تفوق ما يتصوره البعض داخل المملكة في الوقت الراهن.” وبما أن الحكومة السعودية هي التي توفر معظم فرص العمل في البلاد فإن الأسرة المالكة تتطلع إلى القطاع الخاص الآخذ في النمو لتوفير المزيد من فرص العمل للشباب السعودي.

ويقول جون سفاكياناكيس كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك السعودي الفرنسي في الرياض :

“إن معالجة عدم التكافؤ بين تشغيل العمال الأجانب وتوفير فرص العمل للعمال السعوديين في القطاع الخاص السعودي يشكل واحدا من أكبر التحديات التي تواجه سوق العمل السعودي.”

الثمن الذي يدفعه الاقتصاد السعودي بسبب التحويلات

يقلص حجم العمالة الأجنبية الضخم من فرص العمالة المتاحة أمام بعض السعوديين ولكن الاقتصاد الوطني السعودي يعاني من خسارة أخرى فكما يقول البروفيسور جريجوري جوز:

“إن أحدث رقم رأيته هو 28 مليار دولار سنويا يتم تحويلها من العمال الأجانب إلى الخارج سنويا، ويعادل ذلك الرقم خمسة في المائة من إجمالي الناتج القومي المحلي في السعودية مما يشكل خسارة بنسبة 5 في المائة من الاقتصاد المحلي حيث أن خروج هذه الأموال يجعلها لا تشارك في دورة شراء الغذاء أو الاستثمار.”

ويرى البروفيسور جوز أن هذا يشكل واحدة من أخطر القضايا العالقة منذ زمن طويل والتي يواجهها النظام الحاكم في السعودية ويقول “مع وصول سعر برميل البترول إلى مائة دولار قد لا يشكل هذا مشكلة كبرى ولكن أسعار البترول قد تنخفض.”

ويكمن الحل لهذه المشكلة في تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية وتوفير المزيد من فرص العمل للسعوديين ولكن فرض نظام لتقنين حصص العمالة أثبت أنه صعب التنفيذ. ولذلك يرى البروفيسور جوز أن فرض شكل ما من أشكال الضرائب سيكون أكثر فعالية.

SAUDI.KING .c.AP1110251211741 بذور السخط السعودي: ارتفاع معدل البطالة في المملكة بلا مؤشرات على التراجع
King Abdullah of Saudi Arabia, 83, using a walker (AP))

ويقول السيد توماس ليبمان الباحث بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن ومؤلف كتاب جديد بعنوان “المملكة العربية السعودية على حافة الهاوية”:

ليست المشكلة في معدل البطالة فهناك من العمال الأجانب في المملكة ما يفوق بكثير عدد السعوديين العاطلين عن العمل وهناك فرص عمل وفيرة يمكن توفيرها في المملكة، وإنما تكمن المشكلة في عدم التناسب بين المهارات والقدرات و الدخول التي يطلبها السعوديون عندما يدخلون إلى سوق العمل وبين احتياجات أصحاب العمل.”

ويضيف ليبمان قوله: “هناك عدد كبير للغاية من السعوديين الذين اتجهوا في تعليمهم بشكل مكثف إلى الموضوعات الدينية التي ليس لها تطبيقات في الوظائف المتاحة.”

هل يمكن أن تهز البطالة عرش المملكة؟

“سيكون من الخطأ النظر إلى تلك المشكلة كما لو أنها مكمن لإشاعة الكراهية للحكومة السعودية على وشك الانفجار فالسعوديون ليسوا في حالة عصيان مسلح كما أنهم ليسوا ميالين للجوء إلى العنف.”

لقد أدت حزمة الإصلاحات المبدئية التي طرحها الملك عبد الله بقيمة 39 مليار دولار إلى زيادة أجور العاملين في الدولة بنسبة 15 في المائة، وتوفير قروض لبدء أعمال تجارية صغيرة، وأتاحت قروضا للراغبين في الزواج من الشباب ولشراء المنازل الخاصة. وخصص مبلغ 93 مليار دولار إضافية لرفع الحد الأدنى للأجور وخلق مزيد من الوظائف الحكومية.

ربيع عربي أخفق في إذكاء جذوة التغيير

ويرى البروفيسور جوز أنه بينما لم يعاني السعوديون من متاعب الحروب السياسية  فإن مئات منهم لاقوا حتفهم في اشتباكات بين تنظيم القاعدة وبين قوات الأمن السعودية فيما بين عامي 2003 و2007.

“بينما نجح المتظاهرون في مصر وليبيا وتونس لأنهم تمكنوا من توحيد صفوفهم رغم اختلاف مناطقهم وطوائفهم وأيديولوجياتهم ليقفوا يدا واحدة أطاحت بحكامهم الاستبداديين ونحى المتظاهرون خلافاتهم جانبا فإن الناشطين السعوديين أخفقوا على ما يبدو في تحقيق الوحدة ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الاحتجاجات السعودية شملت قائمة عريضة من القضايا.”

ويستطرد البروفيسور جوز قائلا:

“إذا اندلعت مظاهرة احتجاجية  في شوارع مناطق أخرى في المملكة العربية السعودية سيكون الدافع من ورائها حدث محلي دفع الناس إلى التحرك ليقولوا للجماهير إن الحكومة أخفقت في أداء مهامها.”

وغالبا ما بدأت انتفاضات الربيع العربي بحادث أطلق شرارة كم هائل من المشاعر الشعبية، فتغيير النظام في تونس بدأ بحادث منفرد حين أضرم بائع متجول شاب النار في نفسه احتجاجا على تكرار قيام موظفي البلدية البيروقراطيين في بلدته مصادرة عربة الخضر التي كان يكسب بها قوته اليومي. ويظل التساؤل في انتظار الإجابة: هل يمكن لحادث كهذا أن يجعل السعوديون يخرجون إلى الشوارع؟ ولكن من المؤكد أن هناك قضايا في المملكة تجعل الناس يحتشدون من أجلها وهناك مشاكل بحاجة إلى حلول في المملكة العربية السعودية. وتظل هناك تساؤلات أكبر حول ما إذا كانت الأسرة المالكة السعودية ستواصل تمويل إصلاحات متواضعة وما إذا كانت أسعار البترول المرتفعة ستظل تمكنهم من توفير تلك المنافع.

 بذور السخط السعودي: ارتفاع معدل البطالة في المملكة بلا مؤشرات على التراجع

محمد الشناوي

محرر النسخة العربية من أصوات من الشرق الأوسط والذي يقوم بترجمة المقالات الأصلية التي يكتبها هو أو فريق المراسلين إلى اللغة العربية. بدأ محمد الشناوي مشواره الإذاعي مع إذاعة صوت العرب بالقاهرة ثم انتقل منها لإذاعة صوت أمريكا في عام 1978 حيث بدأ في تغطية شئون الشرق الأوسط من التغطية الحية لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في عام 1979 مرورا باتفاقية أوسلو عام 1993 والمفاوضات السورية الإسرائيلية في عام 2000 ووصولا لثورات الربيع العربي عام 2011. محمد الشناوي مصري أمريكي يتقن اللغتين العربية والإنجليزية.